محمد بن جعفر الكتاني
205
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
ويحكى أنه : كان يقرئ كتاب سيبويه بمدرسة العطارين ؛ فحضر مجلسه طالب من البربر قدم من المشرق ، فلما فرغ الشيخ من القراءة ؛ قال له : « يا سيدي ؛ هنا رجز لابن مالك » ، فأراه إياه مع شرحيه لابن الناظم والمرادي ، فاستحسنه . واطلع [ 187 ] عليه وزير الوقت ؛ فطلب منه شرحه ؛ فشرحه شرحين : كبيرا وصغيرا ، والكبير قيل : إنه لم يكمله ، وقيل : بل كمله ولو بقي ما التفت الناس إلى غيره ، لكن أحرقه أعداؤه حسدا في بيت النار من فرن حومة الشطة ، إلا أوله ؛ فهو موجود بفاس كما ذكره في " نيل الابتهاج " ؛ فدعا عليهم - وكانت دارهم دار علم - فقطع اللّه منهم العلم ، وكشف عنهم الستر وعن ذريتهم إلى يومنا هذا . وله مقصورة على طريقة مقصورة ابن دريد في نحو ثلاثمائة بيت . يمدح النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وفيها يقول : مقصورة لكنها مقصورة * على امتداح المصطفى خير الورى ما شابها مدح لخلق غيره * لرتبة أحظى بها ولا جرى فاقت علاء كل ذي مقصورة * وإن هم نالوا الأيادي والنهى فحازم قد عد غير حازم * وابن دريد لم يفده ما درى وشرح على منظومة الإمام ابن مالك في " المقصور والممدود " ، وشرح على " الأجرومية " ؛ انتفع الناس به شرقا وغربا ، وشرح على مقصورة المديح المذكورة ، ورجز في التصريف ؛ وهو المسمى " بالبسط والتعريف في علم التصريف " ، في نحو أربعمائة بيت ، وفيه يقول تحدثا بالنعمة لا افتخارا ؛ خلافا لصاحب النيل : فلو نهوا عن الهوى النفوسا * وجانبوا التمويه والتلبيسا لسلموا أني فيهم ماهر * ونور فهمي في العلوم باهر لكن كبار أهل هذا العلم * يدرون تحقيقي له وفهمي ونظم في شرح ألفاظ الغريب ، وآخر ذكر فيه ما عرب من الألفاظ العجمية . ومن شعره : إذا عرضت لي في زماني حاجة * وقد أشكلت فيها علي المقاصد وقفت بباب اللّه وقفة ضارع * وقلت : إلا هي إنني لك قاصد ولست تراني واقفا عند باب من * يقول فتاه : سيدي اليوم راقد بالجملة ؛ فقد كان ذا قدم راسخ في العلم والولاية .